حول مفهوم الإنسانية والمشترك الإنساني
إن كلمات من نوع "الإنسان" و "الإنساني" و "الأنسنة" و غيرها من اشتقاقات ، تتردد كثيراً في خطاب المثقفين العلمانيين العرب وأحياناً غير العلمانيين ، فهناك من يقول - دفاعاً عن رغبته في الأخذ عن الفكر الغربي - أن هذا الفكر هو فكر " إنساني " ولا ضير في الأخذ عنه ، وهناك من ينادي " بأنسنة الفكر الإسلامي " وقد تبنى مشروع الأنسنة في الثقافة العربية الإسلامية ( محمد أركون مثلاً ) . وقد حَضرت منذ فترة وجيزة بعض المحاضرات في إطار الندوة الفكرية التي حملت اسم ( المشترك الإنساني ) التي نظمتها دار الفكر في سوريا .
وفي حين كان الكثير من المحاضرين والمشتركين يتساءلون عن الحكمة من تنظيم مثل هذه الندوة في مثل هذا الوقت، حيث يرى الكثيرين في الصراع الدائر عالمياً صراع حضارات و صراع قيم ، كنت أتساءل مع نفسي ما هو المشترك وما هو قبل ذلك الإنساني؟.
وقبل أن نشرع في الإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أهميته ، ذلك أن كثيراً من الخلط الفكري و التشويه يشوب الثقافة العربية الحديثة جراء غياب تعريفات دقيقة لمصطلحات حمالة لأوجه متعددة ، من جهة أخرى فإن"الإنسانية" مصطلح مخادع فهو ككلمة مشتقة من الإنسان يحظى بمقبولية مسبقة لدى بني الإنسان ، إذ كيف يمكن لأحد أن ينفيه دون أن ينفي نفسه ؟
الإنسانوية كمفهوم حداثي
إن الأنسنة هي الطابع الغالب على الفكر الغربي الحديث ، بل هي إحدى الأفكار المؤسسة للمنظومة الغربية بشكل عام ، ولكي نجنب أنفسنا كثير من التداعيات الخاطئة ، فإننا سوف نتحدث عن "الإنسانوية" كتيار فلسفي ذو مضامين محددة تاريخياً و فكرياً .
يعود تيار " الإنسانوية " إلى عصور النهضة الأوروبية وقد هيمن هذا التيار على الأدب و الفنون و القيم الاجتماعية و الفردية لذلك العصر ، و قد جاءت هذه التسمية في سياق الصراع الذي نشب في تلك الفترة بين الكنيسة المسيحية التي هيمنت على الحياة الأوروبية طوال العصور الوسطى مع التيار الجديد الذي كان يسعى للتحرر لا من المسيحية فقط بل من الدين عامة ، و قد تصدى أنصار التيار الجديد للكنيسة وعارضوا طروحاتها من خلال العودة إلى الأصول اليونانية الرومانية السابقة للمسيحية .
لقد أطلق اسم الإنسانويين Umanisti بداية على الشريحة المثقفة في عصر النهضة لأنها كانت مولعة ولعاً شديداً بالثقافة القديمة اليونانية و الرومانية الوثنية ، وكانوا يسمون دراسة الثقافة القديمة بالإنسانويات Umanita أو الآداب الأكثر إنسانية Litera Humaniores ، وقد سعى هؤلاء لإحياء التراث الأفلاطوني في الفلسفة في محاولة منهم للتصدي لأرسطو الذي تبنته الكنيسة وشيدت على أساسة كل علومها اللاهوتية.
لكنهم في الحقيقة لم يكونوا أوفياء لأفلاطون أو لغيره من فلاسفة اليونان بقدر ما كانوا يستخدمونهم في حربهم ضد المسيحية. لكن أكثر ما تعلق به " الإنسانويون " هو مقولة الفيلسوف اليوناني القديم (براتاغورس) "الإنسان هو مقياس كل ما هو موجود على انه موجود ، و كل ما هو غير موجود على أنه غير موجود" .
ولعل هذه المقولة هي أفضل مدخل لفهم المحتوى الفلسفي للإنسانوية ، يقول كرين برنتين في تعريف الإنسانوية : إن ( الإنسانيين ) كانوا كذلك " لأنهم اع

























