سؤال
لن أتعب رؤوسكم بقراءة ما كُتب في دوائر المعارف والمعاجم الأوربية عن العلمانية وسوف أدخل معكم مباشرة إلى بعض النتائج :
- أولاً : هناك اتفاق بين المعاجم ودوائر المعارف المشار إليها على أن العلمانية هي توجه دنيوي محض ، وتسعى لصرف الناس عن الاهتمام بالآخرة أو أي غيبيات ، وتدعوهم إلى الاهتمام بالعالم الحاضر ، والحياة المشاهدة ، وتكرس محبة هذا العالم لأن الخير الوحيد ، الحقيقي الذي يجب أن يُعترَف به هو في هذا العالم . أرجو أن نحتفظ بهذه الملاحظة معنا لأننا سنحتاجها قريباً .
- ثانياً : هناك اتفاق صراحة أو ضمناً على أن العلمانية مناهضة للأديان ، ومتقاطعة معها فهي تُحوّل المقدس إلى مدنس ، وتقلل من قيمة الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر .
لقد صرحت دائرة معارف الدين والأخلاق ، ودائرة المعارف البريطانية بأن العداء قائم بين العلمانية والأديان ، أما دائرة المعارف الأمريكية فلجأت إلى المراوغة مما أوقعها في التناقض فهي تقول : بأن العلمانية لا تمانع العقائد المسيحية ، ولا تنكر وجود خير آخر ، ثم تقول في نفس الوقت ، ولكن الخير الحقيقي في هذه الحياة الحاضرة ، وهو الجدير بالاهتمام والبحث وإذا كانت المسيحية تعتبر المسيح هو المنقذ والمخلص ، فإن الخلاص والغاية في نظر العلمانية هو في العلمانية القائمة على التجارب والمحسوس .
- ثالثاً : مهما حاولت العلمانية والعلمانيون المصالحة مع الأديان ، فإن هذا يبدو بعيداً ، لأن العلمانية القائمة في أساسهـا على رفض المبادئ الدينية ، وعدم الاعتراف بها كأسس للالتزام الأخلاقي ، بل ورفض كل الماورائيات التي تقوم عليها الأديان ، وتدعو إلى إقامة الأخلاق والحياة الاجتماعية والسياسية على أسس وضعية نسبية وطبعية ، وهذا بحد ذاته بمثابة إعلان الحرب على الأديان ؛ لأن هذه تطرح نفسها على أنها الحقيقة المطلقة .
- رابعاً : نلاحظ أن العلمانية التي تقوم على محاربة احتكار الحقيقة ، وتندد بـ ملاك الحقيقة المطلقة تقع هي نفسها في هذا الاحتكار والتملك فهي كما تشير دائرة معارف الدين والأخلاق تطرح نفسها على أنها : دين سلبي إنكاري ، وهي كما أشارت دائرة المعارف الأمريكية ترى الخلاص الوحيد والحقيقة المطلقة في العلمانية .
يرفض العلمانيون العرب نعتهم بالملحدين، فهل للعلمانية جذور إلحادية ؟
العلمانية هي ترجمة لكلمة سكيولاريزم secularism الإنجليزية ، وقد استخدم مصطلح سكيولار لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 م عند توقيع صلح وستفاليا وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة ، وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد ظاهرة العلمانية في الغرب .
وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة ، ولا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام إذ تمت الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة وحسب ، بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية ، أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة .
وفي فرنسا في القـرن الثامن عشر أصبحت الكلمة تعني من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية : ” المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة ” أما من وجهة نظر المستنيرين فإن الكلمة تعني : ” المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة ” .
ولكن المجال الدلالي للكلمة اتسع وبدأت الكلمة تتجه نحو مزيد من التركيب والإبهام على يد هوليوك 1817 – 1906م الذي يعتبر أول من صاغ المصطلح بمعناه المعاصر ، وجعله يتضمن أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية ، وأراد هوليوك أن يُجنب المصطلح مصادمة الأديان فعرّف العلمانية بما يشير إلى الرغبة في الحياد فقال:”العلمانية : هي الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خـلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض.
ولكن مع ذلك إذا شئنا أن نربط العلمانية بفلسفة منظرها هوليوك فيمكن القول إن العلمانية قائمة على الشك أحياناً ، والإلحاد الصريح أحياناً أخرى ؛ لأن هوليوك كان ينفي عن نفسه تهمة الإلحاد ، ولكنه في نفس الوقت يعترف بعدم وجود أدلة كافية للإيمان بالله [عز وجل ] ، ويجهر أحياناً بأن الإله إنما هو الحاضر المعيش .
ويرجع أول استخدام لكلمة علمانية عند هوليوك إلى شهر ديسمبر سنة 1846 م عندما أوردها في مقال نشره في مجلة ذي ريزونور أي المجادل العقلاني ، والسبب أنه شعر مع بعض زملائه وأسلافه مثل توماس بين و ريتشارد كارليل و روبرت تيلور أن المسيحية لم تعد مقبولة لدى أكثر فئات المجتمع ، وقد مست الحاجة إلى استبدالها بمبدأ حديث فكان هو العلمانية وقد سماها أتباع روبرت أدين بـ الدين العقلاني . وهنا نتذكر ما تحدثنا عنه في التمهيد مما سمي دين العقل أو الدين الطبيعي .
أسس هوليوك في عام 1855 م جمعية لندن العلمانية وفي ديسمبر من نفس العام تحولت الحركة العلمانية إلى تيار واسع النطاق ، وتزايد انتشارها بين عامي 1853 – 1854 م ، مما دفع القس بردين جرانت إلى التصدي لها في كل أنحاء إنكلترة مفنداً ومجادلاً .
ولكن ازداد توزيع مجلة الريزونور العلمانية إلى خمسة آلاف نسخة ، وانتشرت الجمعيات العلمانية في جميع أنحاء بريطانيا ومن أبرزها جمعية لستر العلمانية و جمعية بولتون العلمانية وجمعيات أخرى في سائر أنحاء البلاد.
وكان لجهود تشارلس برادلاف 1833 - 1894 م دوراً كبيراً في ترسيخ المبادئ العلمانية الجديدة ، وإضفاء طابع الإلحاد عليها ، وذلك عندما استلم رئاسة جمعية لندن العلمانية سنة 1858 م بدلاً من هوليوك ، واشترك سنة 1860 م في تحرير مجلة المصلح القومي التي حلت محل سابقتها الريزونور وأسس الجمعية العلمانية القومية سنة 1866 م .
اندثرت مجلة المصلح القومي سنة 1881 م لتحل محلها مجلة المفكر الحر التي زادت من جرعتها الإلحادية ، فكانت لا تكف عن الاستهزاء بالأناجيل ، والسخرية من الذات الإلهية ، إلى درجة أنها طالبت بمحاكمة أصحاب الأناجيل الأربعة لأنهم يجدفون على الله [عز وجل ] فهم يقولون بأن الله [عز وجل ] ، ضاجع عـذراء يهودية وأنجب منها طفـلاً غير شـرعي أسماه المسيح.
———————–
في الواقع إننا لا نعرض هنا خلاصة لأن الخلاصة كانت هي ما عبرت عنه دوائر المعارف والمعاجم ـ كما رأينا ـ ولكن يمكن اعتبار ما نذكره هنا على أنه تأكيد للخلاصة ، أو أنه خلاصة الخلاصة .
لقد رأى بعض القسيسين أن العلمنة في الأصل تحوُّل المعتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية عن البشر والعالم ولا سيما من منظور بروتستانتي . ولكن عالم اللاهوت الهولندي كورنليس فان بيرسن يوضح ذلك بشكل أكثر صراحة عندما يقرر بأن العلمانية تعني : ” تحرر الإنسان من السيطرة الدينية أولاً ، ثم الميتافيزيقية ثانياً على عقله ولغته ويفصل أكثر بقوله : إنها تعني تحرر العالم من الفهم الديني ، وشبه الديني ، إنها نبذ لجميع الرؤى الكونية المغلقة ، وتحطيم لكل الأساطير الخارقة، وللرموز المقدسة … إنها تخليص للتاريخ من الحتميات والقدريات، وهي اكتشاف الإنسان أنه قد تُرك والعالَم بين يديه، وأنه لا يمكن بعد الآن أن يلوم القدر أو الأرواح الشريرة على ما تفعله بهذا العالم، إنها تعني أن يدير الإنسان ظهره لعالم ما وراء الطبيعة، وأن يولي وجهـه شطر هـذا العالم أو الهنا وأن يحصر نفسه في الزمن الحاضر” .
إنها تعني : ” زوال وظيفة الدين في تحديد رموز التوحيد والاندماج الثقافي ، وتعني أن هناك : مساراً تاريخياً لا راد له تقريباً هو الذي يتحرر بمقتضاه المجتمع والثقافة من الخضوع لوصاية الدين والأنساق الميتافيزيقية المغلقة ” ، وتعني : ” القضاء على التبعية الطفولية في كل مستوى من مستويات المجتمع ، إنها عملية نضج ورشد وتحمل للمسؤولية ، أو قل إنها التخلي عن كل سند ديني أو غيبي أو ميتافيزيقي ، وجعل الإنسان يعتمد على نفسه ” .
أخيراً يمكن أن نختم بما يلي : العلمانية في المنظور الغربي هي: التحرر من الأديان عبر السيرورة التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر خرافية كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والفلسفية. وهذا ما يعبر عنه د.ج.ويل بقوله:” الفكرة العلمانية تنطوي على مفهوم فلسفي يتعلق باستقلال العقل في قدرته . وذلك يعني بنظر كلود جفراي ” إلغاء كل مرجع ديني . وهو نفس ما يريده جول فيري 1832 – 1893م ولكن بتعبير أكثر حدة حيث الغرض النهائي من العلمـانية عنـده هو:” تنظيم المجتمع بدون الله ”[عز وجل]. إنها الدنيوية إذن .
————————–
سؤال:من حيث تعريف العلمانية: لا علاقة لها بالدين، لكنها في الجوهر: دراسات متعمقة في الدين هل هذا ما تقصده ؟
من خلال تتبعي لكتابات العلمانيين ودراستها دراسة علمية:
كان قد استقر رأيي - ردحاً من الزمن - على أن العلمانية هي : ” أنسنة الإلهي ، وتأليه الإنساني ” ويتميز هذا الحد بأنه يجمع خصائص كثيرة للعلمانية في شطريه :
فالشطر الأول أنسنة الإلهي يحتوي على مقولة العلمانية في رفض المصدر الإلهي للأديان أو الوحي ، واعتبارها ظواهر اجتماعية وإنسانية تاريخية برزت ضمن ظروف ومعطيات معينة كما أراد فرويد وغيره . ويحتوي هذا الشطر أيضاً : على إلغاء أو تمييع كل المقدَّسات والمعجزات ، وإعادة تفسيرها تفسيراً إنسانياً اجتماعياً أو اقتصاديا أو مادياً ، أو نفسانياً واعتبارها مجرد خرافات وأساطير عفا عليها الزمن .
ويحتوي هذا الشطر أيضاً : على أنسنة الطبيعة والكون بمعنى تجريده من أية دلالات روحية أو كونية أو رمزية ، واعتبارها مواد للإنسان عليه أن يستثمرها في منفعته وأنانيته بشكل مطلق وإمبريالي دون أي اعتبار آخر ، مع رفض الدلالات الغيبية ، والإشارات الربانية التي تؤكد عليها الأديان جميعاً كمعالم للهداية ، باعتبار الطبيعة - في رؤيتها - كتاباً كونياً منظوراً إلى جانب الوحي المكتوب .
ويحتوي هذا الشطر أيضاً : على الجهود التي تبذلها العلمانية لاستثمار الإلهي وتحويله إلى فكرانية بمعنى : ” تحويل الوحي إلى إيديولوجية ”. ” تحـويل الوحي ذاته إلى علم إنساني ” وذلك لتحقيق أغراض الإنسان وأطماعه ، وقد تجلى ذلك واضحاً في الفلسفة الفيورباخية ، وتبنى ذلك حسن حنفي من العلمانيين العرب – كما سنرى – ومعنى ذلك ” إلغاء الغيب كمصدر للمعرفة ، وقصرها على عالم الشهادة ” ويتم ذلك بالعقل والتجريب بعيداً عن الوحي .
وعلى مستوى العلاقة بين العلمانية العربية والنص القرآني فإنه يتجلى أيضاً دور الشطر الأول من التعريف حيث نجد نزعة الأنسنة سائدة لدى هؤلاء فكتب أركون كتابه نزعة الأنسنة وحاول نصر حامد أبو زيد وغيره استعادة القضية الكلامية القديمة التي ثار حولها جدل طويل ، وهي مسألة خلق القرآن في شكلها الاعتزالي ، وذلك من أجل تكريس إنسانية الوحي ومنتوجيته البشرية ، وسنفصل ذلك فيما بعد .
وأما الشطر الثاني من التعريف تأليه الإنساني فيتولى تغطية جوانب كثيرة أيضاً من خصائص العلمانية أهمها : النزعة الغرورية التي كرستها فلسفة نيتشة وداروين عبر الإنسان الأعلى و البقاء للأقوى والتي مورست عملياً من خلال حكام النازية والفاشية كما أشرنا سابقاً.
ويتضمـن هذا الشطر أيضاً : التركيز العلماني الدائم على مركزية الإنسان ، واستقلالية العقل ، وهذه الأخيرة تشكل بُعداً أساسياً في العلمنة حتى عُرِّفت بأنها لا سلطان على العقل إلا للعقل في تفسير الوجود . هذا الجزء يتكفل بالإشارة إلى هذا البعد ، حيث إن تأليه الإنسان يعني أن التفكير الإنساني مستقل عن الوحي ، بل يرقى إلى مرتبة الوحي ، ويحظى بنصيب من الألوهية . لقد بلغ الأمر بالفرنسيين بعد الثورة أن نصبوا تمثالاً وعبدوه سموه إلاهة العقل .
ويتضمن هذا الشطر أيضا : الإشارة إلى تأليه القيم الجديدة للعلمانية المتمثلة في حقوق الإنسان ، وترسيخ الفردية المطلقة ، والديمقراطية ، وحرية المرأة المطلقة ، ونسبية الأخلاق ، والعِلمانية – بالكسر - ، وكل ذلك ما هو إلا إحلال لمنظومة جديدة مؤلَّهة من القيم الإنسانية ، وإضفاء حالة من القداسة عليها ، بدلاً من الدستور الإلهي القائم على الوحي .
ويتضمن هذا الشطر أيضا : الإشارة إلى الجانب العبثي في العلمانية وهو بعد جوهري فيها ، ذلك لأن تأليه الإنساني يعني أن الإنسان الجسد هو المُؤلَّه ، لأن العلمانية لا تعترف إلا بالجسد ، وحاجات هذا الجسد الجنسانية والغرائزية تنال حظاً وافراً من الإجلال والقداسة - كما رأينا في الفصل الأول -إن تأليه الإنساني يعني تقديس المُدَنَّس والارتفاع به إلى مستوى الألوهية.
أما البعد المادي في العلمانية فإن شطري التعريف يسهمان في تغطيته ، إذ إن أنسنة الإلهي تعني تحويل ما ليس بمادة إلى مادة ، أو بعبارة أخرى تدنيس المقدس والتعامل معه على هذا الأساس الدَّنِس . ثم يأتي الشطر الثاني ليضفي على المادة قداسة جديدة تقديس المدنس وتصبح المادة بهذا الشكل حالَّة محل الألوهية ، ويغدو كل ما سواها ضربٌ من الأساطير والأوهام . وهو ما سعت الفيورباخية والماركسية إلى تكريسه .
—————————————
ما هو التعريف النهائي الجامع المانع الذي ارتضيته للعلمانية
الدنيوية، وما أريد أن أقوله هنا : هو أن الدنيوية ليست مجرد ترجمة لغوية للعلمانية ، وأعني أن العلمانية يمكن أن تُعرَّف تعريفاً جامعاً مانعاً - فيما أرى - بكلمة واحدة هي : الدنيوية .
إن هذا التعريف - كما يبدو لي - لا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة من مقولات العلمانية وخصائصها إلا ويطويها في داخله ، وإن نظرة سريعة في تاريخ العلمانية وأسسها وجذورها ، وأبعادها وتجلياتها سوف تبين أن الدنيوية هي الهم الأول ، والهاجس الأساسي ، بل الوحيد الذي تدور عليه العلمانية .
فالمادية ، واللامادية ، والمثالية ، والعقلانية ، والعِلمانية ، والتطورية ، والجنسانية ، والأنسنة ، والحرية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، والعنصرية ، والفردية ، كل هذه العناصر التي أفرزتها العلمانية عبر تاريخها الطويل أُريدَ منها أن تحقق للإنسان السعادة في هذه الحياة الدنيا دون أي اعتبار آخَر ليوم آخِر ، والسعادة المقصودة هنا هي أقصى قدر ممكن من اللذة والمتعة .
——————————
سؤال:إن كان للعلمانية بعدها الدنيوي الإلحادي، فما علاقتها بالتنصير وما يتفرع عنه من تبشير واستعمار واستشراق… الخ
العلمانية هي البيضة التي باضها الاستشراق في عالمنا العربي والإسلامي وأفقست بعده بعقود من الزمن، والواقع أن الاستعمار والتبشير والاستشراق // أجنحة المكر الثلاثة // هي التي مهدت الأرضية الثقافية والبيئة المناسبة لتقبل بعض العقول للعلمانية .
ولا يمكن الفصل بين هذه الأجنحة الثلاثة إلا على مستوى التنظير ، وقد تحالفت العلمانية بعد أن استوت على سوقها مع آبائها وكانت وفيَّة لهم فترجمت ثقافتهم وبررت استعمارهم وتقبلت حضارتهم دون تمييز ويكفي أن نتذكر هنا جهود سلامة موسى في توطئة الأرض للإنكليز وطه حسين وعلاقاته مع عدد من المستشرقين ثم علي عبد الرازق الذي أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم في الوقت الذي تكاتفت فيه أوربا لإسقاط الخلافة في تركيا .
كما أن أكثر الأفكار التي طرحها الاستشراق رددها العلمانيون فيما بعد ولا يزالون فقد تبنى طه حسين فكرة مرجليوث حول الانتحال في قضية الشعر ، وإنكار وجود سيدنا إبراهيم عليه السلام .
وإذا تأملنا سوف نجد أن العلمانية تسربت إلى بلادنا العربية عبر نافذتين أساسيتين هما : لبنان ومصر ، وتأتي تونس في المرحلة الثانية لهاتين ، فقد كان اهتمام الدول الغربية بالأقليات المسيحية في لبنان وسوريا تحركه طائفة من الأطماع والغايات ، وقد احتضنت العديد من الجامعات والمدارس في إيطاليا وفرنسا طلبة مشرقيين مسيحيين ووجدت صلات وروابط قوية بين الكنيسة الكاثوليكية الغربية ، والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية رغم الاختلاف بينهما ، ويعود تاريخ الإرساليات التبشيرية الأجنبية إلى الشام إلى مطلع القرن السابع عشر ، وكان اليسوعيون أنشط هذه الجمعيات وتعود صلتهم بالشام إلى سنة 1625 م . تسربت العلمانية إلى بلادنا العربية عبر نافذتين أساسيتين هما : لبنان ومصر ، وتأتي تونس في المرحلة الثانية لهاتين.
فقد كان اهتمام الدول الغربية بالأقليات المسيحية في لبنان وسوريا تحركه طائفة من الأطماع والغايات ، وقد احتضنت العديد من الجامعات والمدارس في إيطاليا وفرنسا طلبة مشرقيين مسيحيين ووجدت صلات وروابط قوية بين الكنيسة الكاثوليكية الغربية ، والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية رغم الاختلاف بينهما ، ويعود تاريخ الإرساليات التبشيرية الأجنبية إلى الشام إلى مطلع القرن السابع عشر ، وكان اليسوعيون أنشط هذه الجمعيات وتعود صلتهم بالشام إلى سنة 1625 م .
وقبل ذلك كانت العلاقة بين الأمير فخر الدين الثاني 1572 – 1632 حاكم لبنان والبابا غريغواريوس الثالث عشر 1585 – 1605م متينة ، وقد فتح هذا الأمير أمام الطلبة اللبنانبيين باب الذهاب إلى روما للدراسة فيها ، ومنحهم أرضاً ومساكن ثم أنشأ لهم مدرسة خاصة عام 1584م أ



























