اخوتي الكرام قرأت موضوعا نشرته إحدى المجلات وهو فصل من فصول كتاب "نقد الفكر الديني" للمفكر السوري "صادق جلال العظم" الذي حمل عنوان "مأساة إبليس" .
و الغرض من هذه الدراسة كما يقول صاحبها:
هو إعادة النظر في قصة إبليس، ودراسة شخصيته وموقفه، ومسؤوليته ومصيره على ضوء جديد يختلف عما ألفناه من عقائد وأفكار سيطرت على تصورنا لهذا المخلوق .
فخلاصة ما يريد هذا الرجل من خلال هذه الدراسة كما يقول. معالجة قصة إبليس ليس باعتباره موضوع يدخل ضمن نطاق الإيمان الديني الصرف فهو لا يعترف به ككائن موجود و حقيقي بل دراسته باعتباره شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية و طورها و ضخمها خياله الخصب وعلى مر العصور أضفت مخيلة الإنسان قوى كبيرة، وقدرات عظيمة على إبليس: منها الطاقات الفكرية الخلاقة، والقوى الفنية المبدعة، ومنها القدرة على القيام بخوارق الأعمال، وعجائب الأفعال، إلى أن قال: وقد ألف الإمام جمال الدين بن الجوزي كتاباً سماه "تلبيس إبليس" . أحاط فيه بالطرق التي يلبّس بها إبليس على بني آدم فيبعدهم عن الطريق المستقيم.
و خلاصةكلامه هو الطعن في فالقرآن و السنة باعتبارهما من تأليف البشر و أن قصة وجود إبليس و الجن عموما محض خزعبلات و أساطير. كما طعن في ابن القيم من خلال نقد ما جاء في كتاب تلبيس إبليس . الكتاب الذي حارب الشعوذة و الدجل و الخرافة و انحرافات الفرق الضالة و الدعاوى الباطلة فقد حاول ابن الجوزي من خلال هذا الكتاب كشف انحرافات كثير من الناس بسبب بعدهم عن هدي الأنبياء و جهلهم بالدين ، و تتبع ما شاع في عصره ( وهو يشابه واقعنا الحالي ) من البدع المضلة و الأفكار الدخيلة و السلوك الجانح وذلك لتحذير الناس منها.و بيَّن الشبه التي لبّس إبليس بها على أصناف الناس و ذلك بالبحث و التنقيب و الانتقاد مع كشف صحيح المسائل و فاسدها مستنداً إلى الأدلة النقلية و العقلية و الأمثلة التي يشهد لها الحس و الوجدان و بما أنني قرأت هذا الكتاب وكان سببا في اكتسابي لمناعة قوية ضد الانحرافات و تنبهت جيدا لمداخل الشيطان. أقول صدقت يا ابن الجوزي و كذب العلمانيون.. نعم صدق الأنبياء و كذب الفلاسفة. صدق الله و كذب الملاحدة. فالشيطان و الجن حقيقة لا خيال و من قال عكس ذلك و ضنها خزعبلات فليناقشني إذا في هذه الخزعبلات.
بعد هذه المقدمة و بما أني تطرقت في إدراج سابق إلى موضوع المكي الترابي و إكمالا للاستفادة والنقاش في هذا الباب نتطرق إلى موضوع الجن و الشياطين و علاقتهم باستدراج بعض الجماعات و الفرق من خلال الاستفادة من كلام ابن القيم و من أقوال علماء الإسلام.و أول قضية سنناقشها إن شاء الله تعالى هو موضوع الكرامات و التي أوردها ابن الجوزي في كتابه تحت عنوان :
تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات .
وقبل البدء ، نذكر أن الكرامات الصحيحة موجودة، لكن الطريق إليها هو طريق الإسلام الذي أنزله الله على محمد r، مع ملاحظة هامة، هي أن الذي ينتهج النهج الصحيح في الإسلام، لا يعني أن كل خرق عادة يحصل أمامه هو كرامة، وعلينا أن نتذكر، بل علينا ألا ننسى الآية: ]فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ[، وهذا يعني أن الخوارق التي تحصل أمام الذي ينتهج نهج الإسلام الصحيح، كما كان ينتهجه سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم، هذه الخوارق سيكون أكثرها من الشيطانيات، وأقلها، إن لم يكن أندرها، من الكرامات الحقيقية.
قال جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي رحمه الله :
إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء فان كان رمضان قال رأيت ليلة القدر وإن كان في غيره قال قد فتحت لي أبواب السماء وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس والعاقل لا يساكن شيئا من هذا ولو كان كرامة.
مما اشتهر عن الشيخ المفترى عليه "عبد القادرالجيلاني" رحمه الله مما يدل على فقهه وثبات قدمه في العلم ما حكاه عنه ابنه موسى كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (سمعتُ والدي يقول: خرجتُ في بعض سياحاتي إلى البرية، ومكثت أياماً لا أجد ماءً، فاشتد بي العطش، فأظلتني سحابة نزل عليَّ منها شيء يشبه الندى، فترويت منه، ثم رأيت نوراً أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات، أوقال: ما حرمتُ على غيرك؛ فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين؛ فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني وقال: يا عبد القادر نجوتَ مني بعلمك بحكم ربك وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق؛ فقلتُ: لربي الفضل والمنة؛ قال: فقيل له: كيف علمتَ أنه شيطان؟ قال: بقوله: وقد أحللتُ لك المحرمات).
قال ابن القيم رحمه الله:
"ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه"
فكرة موجزة عن قدرات الجن: للجن قدرات وخواص مادية وتشريحية وفيزيولوجية ونفسية، تختلف كثيرًا عما يقابلها لدى الإنسان، الذي يهمنا ما يلي:
1-يستطيعون الترائي للإنسان بأشكالٍ مختلفة.
2- يستطيعون، عندما يتراءون ألا يتركوا أحدًا من الناس يراهم، إلا من يريدونه أن يراهم.
3- يستطيعون قطع المسافات بسرعات كبيرة، فقد يقطعون في الثانية الواحدة مسافة تقاس بالكيلو مترات، إن لم يكن أكثر من ذلك.
4- يستطيع الواحد منهم (أو بعضهم) حمل ثقل يعجز عنه عدد من أفراد الإنس.
5- يظهر أن للجن متعة خاصة بالتلهي ببني الإنسان والتلاعب بعقولهم وعواطفهم، وملازمتهم.
بهذه الميزات، وبغيرها، يستطيع شياطين الجن أن يصنعوا لوليهم «العارف» بعض الأعمال الخارقة للعادة فيضنها كرامة.
فقد يأتونه بخبر جديد من بلد بعيد ، بعد وقوعه بدقائق، فيخبر به الناس، الذين عندما يتأكدون من وقوعه، يعتبرونه كرامة من كرامات الشيخ.
وقد يوسوسون لإنسانٍ ما، بفكرة ما، ثم يلقونها إلى الشيخ، فيخبره بها، فيعتبرونها كرامة من كرامات الشيخ.
وقد يلقي الشيطان إلى الشيخ أسماء أشخاص لا يعرفهم، فينبئهم بها، فيعتبرونها كرامة من كرامات الشيخ.
وقد يكون الشيخ في بلد ما، في وقت ما، ويتمثل به شيطان في بلد آخر في نفس الوقت، وقد يتمثل به شيطان ثالث في بلد ثالث في نفس الوقت أيضًا، فيرى أهل كل بلد أن الشيخ كان عندهم في ذلك الوقت ! دون أن يعرفوا – لجهلهم – أنها خدعة شياطين! ويعتبرونها كرامة من كرامات الشيخ.
وقد يتراءى شيطان، أو شياطين، أمام الشيخ، بشكل شخص، أو أشخاص غائبين أو أموات، فيعدها الشيخ كرامة .
وقد يتراءى شيطان الشيخ أمام الشيخ بشكلٍ ما، ويوهمه أنه محمد رسول الله r، أو أحد غيره من الأنبياء.
وقد يتراءى شيطان أو أكثر أمام الشيخ بشكل أشباح تتطاير، فيظنهم من الملائكة أو من أرواح الأولياء.و هذا ما يحدث لأفراد جماعة العدل و الإحسان بالمغرب من خلال الرئ و المنامات.
وقد يحمل الشيطان وليّه العارف في الهواء وينقله من مكان إلى مكان وقد يمشي به على سطح الماء.
…. وقد .. وقد … إلى آخر ما يسمونه – جهلاً أو افتراءً – الكرامات! والتي لا تزيد عن كونها ألاعيب شياطين يخدعون بها وليهم العارف، ثم يخدعون به وبها الآخرين.
وقفة مع حديث رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم
وهنا نصطدم مع هؤلاء القوم، بفهمهم السقيم للغة العربية، وبالتالي، لنصوص الحديث الشريف، ومن قبله القرآن الكريم.
إنهم، في رؤيتهم لما يتوهمونه أنه محمد r، يظنون أنهم يرونه حقًّا، ويحتجون لذلك بالحديث الشريف: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا، فإن الشيطان لا يتمَثَّلُ بي.
والحديث واضح البيان، لا لبس فيه ولا غموض! فهو يقول: «من رآني…»، والفرق كبير جدًّا بين هذا القول وبين: «من رأى شخصًا يدَّعي أنه أنا»، أو: «من رأى شخصًا وظن أنه أنا…»، أو: «من رأى شخصًا وقيل له: إنه أنا..»! الفرق كبير جدًّا بين هذه العبارات وبين عبارة الحديث: «من رآني..»، التي تعني رؤيته r، بشكله وصورته التي كان عليهما، بل وزيه أيضًا
المزيد