حرية أم تسيب و فوضى.
الاعلام المغربي و حرية الرأي .

إن من أهم وسائل تحرير الخطاب وجعله مبنيا على الصدق والوضوح أن يبين صاحبه عن معاني الألفاظ التي يستعملها في خطابه .ومن الألفاظ التي لا بد أن نلقي عليها الأضواء في موضوعنا هذا لفظ الحرية ، وهو عند من ينطق به ويتصوره يجعل معاني الانطلاق وعدم التقييد بقيد في الأقوال والأفعال التي تصدر عن الإنسان ، والحرية بهذا المعنى لا يشك عاقل بأنها مذمومة ، إذ تتنافى مع الكرامة التي أرادها الله للإنسان . بجعله غير متقيد بقيد، وجعله مسيبا فوضويا يفسد أكثر مما يصلح ويهدم أكثر ما يبني،فيكون في سلوكه شبيها بالحيوان الذي لا ينضبط بشرع ولا يتقيد بعقل .
ويكفي لتأكيد كون الحرية على الإطلاق شيء مذموم أنها تلغي وظيفة العقل ، وهذا الأخير إنما سمي بالعقل لأنه يعقل صاحبه عما لا يليق من الأقوال والأفعال ، أي يحجزه عن ذلك ويمنعه منه . وقد اضطر واضعوا المذهب الإلحادي الإباحي في القرون الأخيرة إلى الرجوع عن كثير من مقتضيات هذه الحقيقة ، حيث أن الأوربيين الذين تأثروا بضغط الاضطهاد الكنسي والذي حجر على الفكر والسلوك بما لا يعرف له مثيل من الشدة والقسوة ، وتأثرهم بذلك من جهة، وميولهم الكامل مع نزعات النفس الأمارة بالسوء من جهة أخرى، جعلهم يثورون ثورة شعارها الحرية والإخاء والمساواة.قد جعلوا الحرية ردة فعل على الكبت النفسي، فورت ذلك فوضى فكرية وإعلامية وسياسية واجتماعية تردت بالإنسان في مجال القيم والسلوك إلى أحط الدركات ، مع أنه وصل في مجال المادة والتكنولوجيا إلى أعلى الدرجات ،فصار الإنسان الأوربي ومن تبعه منفصم الشخصية جامعا بين المتناقضات.
إن لفظ الحرية بإطلاق في حد ذاته مذموم فكيف إذا جعل مع هذا ردة فعل تحمل في طياتها معاني الانتقام و الثأر، و إذا أردنا ان نمثل لهذا المعنى فلنفترض إنسانا يريد ان يكون حرا بإطلاق ، فانه في أقواله بإمكانه ان يسب أمه وأباه وبإمكانه أن يلعن من شاء من الناس وإن كانوا من أهل الفضل ،وبإمكانه أن يتهم من شاء بما شاء وبإمكانه أن يدعى ملكا… وأيضا فإنه في أفعاله بإمكانه أن يضرب من شاء ، وأن يسرق ما شاء وأن يعتدي على من شاء وهكذا… ، ومن هنا فقد اضطر أصحاب المذهب الإباحى أن يقيدوا إطلاق لفظ الحرية قدر ما يريدون الحاجة إلى ذلك ،ولم يزل معنى هذا اللفظ يتقلص في قوانينهم منذ الثورة الفرنسية إلى اليوم ، ومع ذلك لم يتمكنوا من الحد من الآثار المدمرة لذلك الإطلاق ، فوقعوا في مآزق يستحي من ذكرها ذوو العقول السليمة والنفوس الشريفة.ويكفى أن نشير هنا إلى فضيحة الزواج المثلي التي صارت عارا على جبينهم ، والتي ما وقعوا فيها إلا جراء الغلو والإفراط في الحرية المزعومة ، بل وصار لهذا الزواج أنصار من الأفراد والجمعيات الذين يزعمون أنه حق للإنسان الحر، وصدق الله تعالى بقوله : "بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا" أجل هم والله أضل سبيلا فإن الحيوانات لا تتزوج الذكور بالذكور……فيا للعجب .
و الخلاصة ان العقل السليم فضلا عن الشرع القويم يدل على انه لابد من تقييد الحرية في كل المجالات: التعبير و المعاملة و السلوك و غير ذلك..، و من أعظم ما ينبغي تقييد الحرية فيه الكلام عن الله سبحانه و تعالى و عن رسله و أنبيائه عليهم السلام، فهم أولى الناس بالتأدب معهم و احترام جنابهم المقدس ، و لئن كان العاقل يرفض ان يشتم أبوه باسم حرية التعبير ، فان المؤمن يرفض و بشدة أعظم ان تقال كلمة واحدة مخلة بالأدب في حق جناب رسولنا و سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم .
فإذا استسلمنا لعباب هذه الحرية العفنة التي يتبناها العلمانيون الذين لا يريدوننا أن نستنكر مثلا التطاول على الله و رسله و الصحابة الكرام و أن لا نستنكر الشذوذ الجنسي أو الدعارة بوصفهما فعلين حرمهما الله سبحانه ، في حين نقول من حق صحيفة ما أن تختار لنفسها الدفاع عن الشواذ أو العاهرات .. ،فليس لأحد أن يوجب حقوقا تخالف أوامر الله ، أو تدعو إلى محرمات حظرها الله .إن حرية التعبير

























