قبل الحديث عن الجامعة العربية لابد لنا من استحضار مشاهد سريعة من التاريخ الحديث، لاستظهار شواهد من واقع مرحلة البدء التي تمخضت عن ميلاد فكرة الجامعة العربية ، ذلك أنه في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. وبداية القرن التاسع عشر ،بدا أن دولة الخلافة العثمانية قد أصبحت مرشحة للسقوط ، بسب ما اعتراها من خلل في البنيان ودخل في المنهج ، هذا في الوقت الذي كانت فيه دول العالم النصراني تتطلع إلى سقوطها وإلى موت (الرجل المريض) لاقتسام تركته ، وكان اليهود أيضا يتشوقون للحدث ويعملون في سبيل تحقيقه ، ويرمقون الأحوال بشغف ، عسى أن ينالهم نصيب من قمة الميراث .
الجامعة العربية فكرة من ؟
في أواخر حياته ، سمع ´´تيودور هرتزل" (مؤسس فكرة الدولة اليهودية ) بحركة تدعو إلى تجديد شباب الخلافة الإسلامية، وأطلقت هذه الحركة على نفسها (حركة الجامعة الإسلامية ) ، وكان من دعاتها الشيخ محمد رشيد رضا ، فاغتم لهذه الحركة ، وسرعان ما حركه حسه اليهودي الماكر من الاغتمام بالخبر إلى السعي إلى اغتنامه ، وخطر له أن يجري اتصالاته لإقحام النصارى في المناداة بتحرير العرب من ´´استعمار´´ الترك ،ولينادوا بالقومية العربية في مقابلة القومية التركية الطورانية التي رفع يهود تركيا عقيرتهم بها ، وكان أن اتصل ´´هرتزل ´´ بنجيب عازوري لمحاولة دمج حركته المسماة (اليقظة العربية ) مع حركة (الجامعة الإسلامية ) ، ثم حدث أن قامت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م ، ليكون من أهم نتائجها: هزيمة الدولة العثمانية المسلمة و القضاء على دولة الخلافة ، وما هي إلا أعوام ثلاث حتى صدر"وعد بلفور"(وزير خارجية بريطانيا) بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين ، ثم تقوم الحرب العالمية الثانية ، التي كان من أهم نتائجها تقسيم بلاد العرب بين انجلترا وفرنسا ، بمقتضى اتفاقية´´سايكس بيكو´´ (وزيري خارجية البلدين )، وهكذا انفرط العقد الذي كان يجمع بين البلدان العربية و الإسلامية برباط الإسلام، وأصر الأعداء على إيجاد رابطة بديلة لرابطة الانتماء للإسلام ، وراج الكلام وزاد الضجيج حول(رابطة العروبة ) بدلا من (رابطة الإسلام ) ، (والجامعة العربية (بدلا من (الجامعة الإسلامية ).
وفي 29مايو عام1941 م أدلى السياسي البريطاني المخضرم ´´إيدن ´´ بتصريح في مجلس العموم البريطاني عبر فيه عن استعداد بريطانيا لاحتضان الدعوة لإنشاء الجامعة العربية ، وقال : إن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم لتحقيق فكرة (جامعة عربية ) وقال : إنه سيكون لبريطانيا شرف السبق إلى تحقيق هذا المطلب ! وفي مصر، ندب حزب الوفد المصري (أعرق الأحزاب العلمانية ) نفسه لتنفيذ الفكرة ، فدعا زعيم الوفد مصطفى النحاس إلى إنشاء مؤتمر يبحث فكرة التنسيق بين الدول العربية ، لترسيخ المبدأ القومي ثم الوطني على أساس الانتماء للعروبة ، واقترح تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر لهذا الشأن .
الجامعة العربة وتكريس الانقسام والهزيمة وجاء اليوم الذي أعلن فيه عن تأسيس الجامعة العربية بعد أن أجهض اليهود والنصارى والعلمانيون مشروع الجامعة الإسلامية ، وأعلن في 22مارس عام 1945،عن تأسيس الجامعة لتكون القاهرة مقرا لها ، في وقت كانت مصر فيه لا تزال تحت الاحتلال الإنجليزي الذي أعطى الضوء الأخضر لقيام الجامعة التي تستطيع التعامل من خلالها مع العرب بأنها ليست ضد أماني العرب في الوحدة، وأدركت أنها من خلال سيطرتها على مصر،وسيطرة مصر على الجامعة، ستستطيع تمرير ما تتطلبه المرحلة من مناورات ومؤامرات .
لقد ولدت الجامعة إذن لغرض واضح من البداية : سلخ المسلمين العرب عن المسلمين غير العرب لا لإعزاز العرب بغير الدين ، ولكن طمعا في إذلال الدين بذل العرب، لهذا: فقد كان مرسوما منذ البداية أن تكون الجامعة تجسيدا للذل العربي، فهل نجحت بريطانيا ومن بعدها أمريكا- في إنجاح الجامعة في هذه المهمة ؟!
لنتأمل معا.. ماذا أعلنت الجامعة من أهداف ؟وماذا تحقق منها في عالم الواقع ؟ ما الذي تحقق لمصلحة العرب؟ وما الذي تحقق لمصلحة أعداء العرب ؟
لقد نص ميثاق الجامعة منذ إنشائها على عدد من الأهداف الكبيرة منها:
استكمال تحرير البلاد و الشعوب العربية من الاحتلال الأجنبي،لاحظ التعبير:الشعوب العربية و العربية فقط..و ماذا إذن عن الشعوب الإسلامية ؟ لا ضير من احتلالها ما سلمت بلاد العرب، ومع هذا، هل سلمت بلاد العرب و تحررت شعوب العرب من الاحتلال الأجنبي؟


























